الثلاثاء، أكتوبر 20، 2009

سياسة الأجــــــــــور وأســـــــــعار اللحــوم

بقلم : عبدالفتاح الجبالي جريدة الاهــــرام
http://www.ahram.org.eg/archive/Index.asp?CurFN=opin1.htm&DID=10099
سيد بيه يا سيد بيه كيلو اللحمة بقي بجنيه كلنا نذكر ذلك الهتاف الشهير الذي تردد أثناء مظاهرات الطلبة في ستينيات القرن الماضي‏ ، ومنذ ذلك التاريخ‏ ، أصبح الحديث عن الأجور يرتبط دائما بالحديث عن أسعار اللحوم‏ ،‏ والغريب في الأمر أنه انتقل من الملعب السياسي إلي الاقتصاد فوجدنا العديد من الخبراء والباحثين يتبنون هذه المقولة‏ ،‏ وتلك الحسبة وكأنها مسلمة لايأتيها الباطل‏ ، رغم ما بها من أخطاء كثيرة‏ ، فمن البدهيات في علم الاقتصاد أن أسعار السلع تحدد وفقا لظروف العرض والطلب في المجتمع‏ ،‏ وبعض الأمور الأخري المرتبطة بالسوق‏.‏
وبالتالي قد يتأثر سعر سلعة ما بقرار حكومي‏ ، مما يؤدي إلي انخفاض أو ارتفاع أسعارها دون السلع الأخري‏ ، وخير دليل علي ذلك ما يحدث الآن في سوق الدواجن مثلا نتيجة لانتشار إنفلونزا الطيور‏,‏ وكذلك المنتجات المرتبطة بلحوم الخنزير وغيرها‏.‏وهو ما يحدث في سوق اللحوم‏,‏ نتيجة لارتباطه بعدة أمور منها أسعار العلف الحيواني‏ ، وأوضاع المزارع وغيرها من المتغيرات‏ ، وعلي سبيل المثال هل لو لسبب أو لآخر انخفضت أسعار اللحوم انخفاضا كبيرا‏ ، بينما ارتفعت أسعار السلع الأخري بنفس النسبة‏ ،‏ هل سيكون ذلك أفضل للمواطن؟
إن الإجابة ستكون بالنفي‏ ،‏ وبالتالي لا يمكن بأي حال من الأحوال ربط الأجور بسعر سلعة معينة بالأسواق أيا كانت هذه السلعة أو قيمتها الغذائية‏ ،‏ ولذلك يتعامل علم الاقتصاد مع مسألة الأجور بصورة أكثر شمولا واتساعا‏ ،‏ ويربط ذلك بالأوضاع المعيشية العامة‏ ، والمستوي العام للأسعار في المجتمع‏ ، أي معدل التضخم والإنتاجية‏ ،‏ وكذلك بعض العناصر التي يجب أن تؤخذ في الاعتبار عند تحديد هذا المستوي‏ ‏وهي‏:‏
احتياجات العمال وعائلاتهم مع مراعاة المستوي العام للأجور في المجتمع‏
‏تكاليف المعيشة وإعانات الضمان الاجتماعي ومستويات المعيشة بالنسبة للمجموعات الاجتماعية الأخري‏
العوامل الاقتصادية‏ ،‏ ومنها متطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية ومستويات الإنتاجية والرغبة في بلوغ مستوي مرتفع من العمالة والحفاظ عليه‏
هنا لابد من التأكيد علي ضرورة ألا يقتصر النظر إلي الأجور باعتبارها مجرد عنصر من عناصر التكاليف فحسب‏، بل يجب أن يتعداه ليشمل النظر إليها باعتبارها مصدر الدخل الأساسي لقطاع عريض من المجتمع‏،‏ إذ تمثل زيادة الأجور أهم الطرق التي تستطيع بها الحكومات ضمان الحد الأدني من مستويات المعيشة اللائق لقطاعات لا بأس بها من السكان‏
خاصة أن الأجور تعد المصدر الأساسي للإنفاق الاستهلاكي لقطاع عريض من المجتمع‏، وبالتالي فهي تسهم في إنعاش الاقتصاد القومى، وذلك في ضوء الميل المرتفع للاستهلاك لدي هذه الشريحة‏.
‏وهنا تجدر الإشارة إلي أن المناقشات الدائرة حول الحد الأدني للأجور تركز علي تأثيرها علي عملية إعادة هيكلة الاقتصاديات التي تمر بمرحلة تحول‏ إذ يري البعض أن فرض حد أدني للأجور يؤدي إلي الإبطاء من عمليات تصحيح الأجور النسبية في المجتمع‏ وإلي تشويه إشارات السوق خلال العملية الانتقالية‏ وخير معبر لوجهة النظر هذه تقرير الحرية الاقتصادية في العالم‏ والذي يري أن وضع حد أدني للأجور هو تعد علي الحرية الاقتصادية لأصحاب الأعمال‏ ،‏ الأمر الذي يقلل من الحوافز الخاصة بسوق العمل‏، ويحد من التوسع في استخدام المزيد من العمالة‏ ، وبالتالي يري هؤلاء أنه ينبغي علي الدولة أن تسمح لقوي السوق بتحديد الأجور حتي تتفادي المزيد من البطالة‏.
‏وللرد علي هذه الانتقادات نري أن أسواق العمل تختلف عن الأسواق الأخري نظرا لما تتسم به من خصوصية تكمن في كونها أسواقا غير تنافسية بصفة عامة‏
بل قد تتسم بعدم التساوي في القوي بين أصحاب الأعمال والعمال‏
ناهيك عن عدم مرونة أسواق العمل وصعوبة القدرة علي الحراك العالمي
وعدم كفاية المعلومات‏
وتولد هذه الظروف نتائج غير عادلة ،‏ ولا تتسم بالكفاءة‏
خاصة عندما يكون العمال في وضع ضعيف في المساومة‏
مما يجعل أصحاب الأعمال قادرين علي تخفيض الأجور‏
أو إجبار العمال علي العمل في ظروف تتسم بالخطورة أو يمارسون التمييز ضد جماعات بعينها‏.‏
ولما كان الأصل الأساسي لدي الفقراء هو العمل‏ ،‏ باعتباره السبيل الوحيد أمامهم لكي يتغلبوا علي فقرهم‏ ، فإن ذلك يعني قبل كل شئ إزالة التمييزات التي تميل لكبت عائدات العمل‏.
‏وبمعني آخر فإن تدخل الحكومات عموما يحدث عندما تعجز أسواق العمل عن أداء المهام المنوطة بها وذلك إما بسبب القوة غير المتكافئة بالأسواق أو عدم كفاية المعلومات‏
وتستجيب الحكومات لهذه الأسباب بثلاث طرق‏
إما بوضع ترتيبات غير رسمية أو بتمكين النقابات من المساومة باسم العمال أو بالتدخل المباشر عن طريق التشريع‏
‏ كما يجب الحرص علي أن يتم العمل في ظروف تضمن المساواة والحماية‏
‏ وهو ما تطلق عليه منظمة العمل الدولية العمل اللائق والذي يشترط فيه أن يدر دخلا عادلا وأمانا في مكان العمل وحماية اجتماعية للأسر‏ وآفاقا أفضل للتنمية الذاتية للأفراد وكذلك الاندماج في المجتمع‏ ، ويمكن للتحول نحو سوق للعمل أقل تشوها وأكثر اتساما بالطابع الرسمي أن يعمل كآلية لتحقيق التكافؤ‏ ،وهكذا وفي ظل عدم وجود نواقص في السوق‏
مثل التمييز‏، فإن سوق العمل بأجر يضمن حصول العاملين ذوي الإنتاجية المتماثلة والذين يعملون في وظائف متساوية علي أجور مماثلة‏ صحيح أن الأجور تتفاوت فعلا بالنسبة للمهام المختلفة والمحددة بمهن معينة ولكنها لا تعكس الإجابة بصورة مباشرة‏ وتعكس الفروق في الأجور بين الأفراد إلي حد كبير اختلاف ظروف العمل و اشتراطات الوفة‏ ، بل حتي مع أخذ هذه الظروف بعين الاعتبار يكون هناك قدر من الاختلاف في الأجور لبعض الأمور الأخري مثل
سياسة التمييز في المعاملة أو غير ذلك من أشكال فشل السوق‏ .‏
ويتوقف تأثير الحد الأدني للأجور‏ ، من نتائج إيجابية أو سلبية‏ ، في قدرته علي التأثير علي فرص العمل والإنتاجية‏ وبمعني آخر فإن سياسات الحد الأدني للأجور يجب أن تتسم بالكفاءة والمرونة‏ ، أي أن تحديدا لمستوي معين كحد أدني للأجر يجب أن يتمتع بقدر عال من المرونة عبر أنواع العمل بما يلائم مختلف مرونات العرض والطلب علي العمل‏ ، وهذا لن يتحقق إلا عندما تكون أسواق المنتجات تنافسية‏ ، وكذلك عندما تتوافر لترتيبات التفاوض الجماعية والمؤسسية‏ ، المرونة الكافية في التعامل مع مختلف الظروف‏ ، ناهيك عن ضرورة ضمان الالتزام بقوانين العمل وتنظيماته وتوفير التأمين ضد الصدمات‏ ، وتأتي أهمية هذه المسألة في ضوء الواقع المعيشي‏ ، الذي أضحت فيه أسواق العمل غير الرسمية تلعب دورا مهما في هذا المجال‏ ، خاصة أن هذه الاشتراطات لا تطبق إلا علي القطاع الرسمي ‏.‏
وتدلنا الإحصاءات المصرية علي أن الوضع الراهن لا يمكن أن يستمر إلا إذا تعاملنا معه من منظور تنموي‏ ، وذلك بالعمل علي زيادة الأجور والمرتبات وإعادة النظر في الحوافز وبدلات العمل‏ .
وضرورة العمل علي وضع حد أدني حقيقي للأجور‏ يتناسب مع مستويات المعيشة‏‏ ويتحرك سنويا وفقا لمعدلات التضخم‏.‏

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق